ولائم الجنائز تتحول إلى محطّات للبذخ والبريستيج

بمجرد سماع خبر وفاة، يهم ّ المعزّون بالتوافد على بيت الفقيد، حيث تتأهب عائلته لاستقبال ضيوفها، بأطباق الرشتة والمثوم ناهيك عن صينيات الشاي والمكسرات التي لا يغيب عنها المقروط المعسل، في ولائم أشبه بولائم الأعراس الفخمة.

الزواج “ليلة تدبيرتو عام”، وأهم ما يدبر ويحضّر هو وليمة العرس، التي عادة ما تستنزف ميزانية ضخمة، إلى هنا الأمر مقبول، فغير المقبول أن تتحول ولائم الجنائز إلى محطة أخرى للبذخ و”الزوخ”، فلم تكتف “ليلى” من بلدية الدويرة من ارتداء ثوب يليق بالأعراس، بل وضعت الكثير من الماكياج، بل واصطحبت معها طفليها، وأخبرت زوجها أن يلحق بها للجنازة، كونها لم تحضّر وجبة “الغذاء”، غير راجية الأجر والثواب من حضور مراسيم تشييع الجنازة التي باتت مقترنة مؤخرا بعادات مبالغ فيها من قبل الكثير من العائلات التي حولت مسار الجنازة، إلى محطات لـ”البرستيج”، من خلال تقديم مختلف أصناف الحلويات التي تخص المناسبات السعيدة والمعّجنات والمشروبات الغازية والساخنة كالشاي، ناهيك عن الوليمة الكبرى في يوم “الثالث” أو “السابع” أو الأربعينية عند الكثيرين، بطلاتها نسوة يتسامرن إلى ساعات متأخرة من الليل في مجالس نميمة تستغل عيوب الناس محل سخرية، غير آبهات لآداب التعزية التي ينبغي أن لا تخرج عن نطاق المواساة والتخفيف من فاجعة أهل الميت.

طلبات على الحلويات وتنظيف للمنازل
“يموت الماشي وينوض الراشي”، مثل يبين قدرة الخالق جلّ وعلا، وأن الأعمار بيده سبحانه، غير أن الكثيرين يتأهبون لاستقبال ضيوفهم المعزّين، تحسبا لتوديع فقيد العائلة الذي طال سقمه، بعد إصابته بمرض ميئوس منه، فمن الغريب أن نسمع عن عائلات تطلب حلويات مسبقة وتقوم بتنظيف المنزل ويخيل لك أنها تستعد لعرس أو فرح، وليس لتحضير مراسيم جنازة، حيث هناك حالات ميئوس منها ومن المحتمل أن تفقد حياتها في أي لحظة، هو ما حدثتنا عنه “فطيمة” التي قالت إن أخاها كان مريضا بمرض مزمن، حيث أخبرهم الأطباء أن حالته غير مستقرة وأن حظوظه في الحياة ضئيلة جدا ، الأمر الذي استدعى من العائلة أن تجهز مراسيم خاصة فيما يتعلق بتنظيف المنزل وتجهيز الأطعمة حتى أنهم وضعوا طلبات مسبقة للحلويات كونهم سيستقبلون عددا كبيرا من المعزّين.

جنائز “للبرستيج” والبذخ
المثوم، الشخشوخة، الرشتة، كلها أطباق أضيفت إلى “الميني” الخاص بالجنازة، ناهيك عن مختلف الأنواع من “الديسار”، حتى أن الكثيرين باتوا لا يفرّقون بين الرائحة المنبعثة من بيت ذوي الميت، وبين وليمة زواج أو ختان وغيرها من الأفراح، أمام تعدد الوجبات المعروضة في ذاك اليوم، أين تعدت الأطباق المحضّرة طبق “الكسكسي” الذي كان في وقت سابق أهم وجبة تقدم للمعزين، بل استبدل هذا الأخير بأطباق “المثوم”، ومختلف “الشطاطح”، التي باتت تزيّن الموائد وسط تسابق للمعزين على غرفة الاستقبال، حال إحدى السيدات التي توفيت والدتها مؤخرا أنها تفاجأت بسؤال النسوة عن غرفة استقبال الضيوف التي يتناولون فيها الأكل بمجرد دخولهم.
وبتعبير أخرى فإنها وجدت في المثل الشعبي القائل “الموت والوخذة” أدق تعبير عن حال الجنائز في الوقت الحالي موضحة أن التبذير والبذخ اللذين لحقا ولائم الجنائز اليوم لا مبرر لهما سوى التفاخر و”الزوخ” لا أكثر، موضحة أن ذلك بات يفرض ميزانيات ضخمة على عائلات الفقيد، التي من المفروض أنهم ينشغلون بمأساتهم وليس بتحضير الأطباق التي يقدموها للمتوافدين من المعزّين.
أما عن دعوة الناس لليوم الثالث، ولذكرى الأربعين للغذاء أو العشاء من طرف أهل الميت، فقد تنكر له العديد ممن قابلناهم، وكانت الجملة التي رددها أغلبهم عن هذه الظاهرة “كيف لعائلة مفجوعة من فقدان أحد أفرادها أن تقيم الولائم وتنشغل بإكرام المدعوين، حتى لا يشعر الحاضر سوى بذلك الاستعراض لمظاهر الثراء من طرف أهل الميت، والإدعاء بحرصهم على إكرام الميت”، أما “فوزية”، التي استقبلت في بيتها المعزين في جنازة جارها، فقد استاءت من التبذير والبدع التي شاهدتها قائلة: “متى قدمت الحلويات باللوز في جنائزنا؟!، ومن قال إن التصدق على روح الميت يتطلب ذبح الخرفان وتقديم الفواكه الغالية للمعزين”.

مجالس النميمة والضحك والقهقهة .. “في حضرة” المتوفّى
لا تخلو مراسيم الجنازة من مجالس “القيل والقال” التي تنبعث من أفواه سيدات، تمحور حديثهن عن الموضة الجديدة من الفساتين و”القفاطن”، وأنواع الحلويات التي قدمت في عرس فلاني، بل وأن الكثيرين لم يأتوا لأداء واجب التعزية في حق الفقيد، بل للثرثرة والاشتغال بأحوال الناس والتكلم في غيبتهم حتى أنهم يضحكون بل ويقهقهون، والميت لا يزال لم يشيّع بعد، فحتى المغفور له لم تستثنيه بعض المثرثرات من التعليق والحديث عنه ليس باستذكار خصاله الحميدة بل بالتعليق على سواد وجهه أو بياضه، وربط ذلك بأفعاله، في الوقت الذي لم تتمالك إحدى العائلات نفسها أمام القهقهة المتعالية لنسوة اخترن زاوية من زوايا البيت للتعليق على كل واردة، الأمر الذي جعل إحدى بنات المتوفى تحتج على ذلك وتطالبهن بمغادرة المكان، بعد أن انحرف مقصدهن من الزيارة من التعزية ورجاء الأجر إلى الثرثرة.
أما “إسماعيل”، الذي استقبل المعزين إثر وفاة جده، استاء من الضحكات العالية والأحاديث الجانبية، وكذا رنات الهواتف التي لم يكلف الحاضرون أنفسهم عناء وضعها على الصامت، في حين أن جدته الحاجة “العطرة”، قد تحسرت على آداب الجزائريين فيما مضى، قائلة إن المعزين كانوا يحرصون على الظهور بثياب محترمة تعبّر عن مشاركتهم لأحزان أهل الميت، كما يقومون بمواساة العائلة والتخفيف من أحزانها دون ابتذال، بعيدين عما يحدث اليوم من أحاديث وضحك.

التكافل مع عائلة ميت في خبر كان
أجمع عديد من تحدثنا معهم إلى أن التكافل الذي كان في وقت غير بعيد بين الجيران وأهل الميت قد تلاشى، وبات المعزّون يدخلون بأياد فارغة إلى بيت الميت، وهو ما ذهبت إليه “مليكة” التي قالت أنه في وقت سابق كانوا لمّا يسمعوا عن وفاة شخص يستعدّون لتحضير مختلف الأطعمة وأخذ معهم أغراض كثيرة مثل القهوة والسكر، للتكافل مع العائلة التي لا تقوى على تحضير أي طبق لضيوفها سيما في اليوم الأول أين يكون الحزن مخيما على عائلة المتوفى والذي يتوجب الدعاء لفقيدهم والتضرع الكبير برحمته الواسعة من المولى القدير، في الوقت الذي بات المعزون من يطمع في عائلة الفقيد بوليمة مميزة بأطباق فخمة تنسيهم أنهم في جنازة سيشيع فيها الميت إلى مثواه الأخير.

صدى الجزائر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.