حوار رمضاني : الطيب ولد العروسي ضيف موقع ” صدى الجزائر “

0 613

في عدد اليوم نحاور قامة جزائرية وعربية ترأس هيئة مهمة بالخارج

ضيف “صدى الجزائر ” هو :
الطيب ولد العروسي : مدير كرسي المعهد العربي بباريس
_ضيفنا حائز على شهادات عديدة منها في العربية وآدابها وفي الحضارة العربية وكذا علم المكتبات والتوثيق .
= له أبحاث ومقالات في العديد من الصحف العربية منها :
*جريدة القدس العربي (لندن )
* مجلة بريد الجنوب (لندن )
وفي الجزائر نذكر فقط :
*جريدتي النصر والمساء
# كما ساهم في العديد من المؤتمرات والملتقيات الفكرية والدولية وكذا المقاهي الأوروبية في باريس مثل : مقهى المصابيح .
#صدر له عدة كتب منها :
* الاسلام في الصين سنة 2008
* أربعون عام وعام من الرحيل مع الكاتب التونسي د.عاشور الجويلي سنة 2004
ويعد الطيب ولد العروسي كاتبا واعلاميا حيث نشط برنامج ثقافي ب (اذاعة فرنسا المغرب ).

اجرى الحوار : بلال بوغرارة

صدى الجزائر: ماهي أوضاع الجالية الجزائرية في فرنسا مع فرض الحجر الصحي؟ ”

هي تعيش الأوضاع نفسها التي يعيشها المواطن الفرنسي في هذه الظروف الصعبة، وهناك الكثير من الجمعيات المكوّنة من الشباب من أصول جزائرية بشكل خاص ومغاربية وإسلامية بشكل عام التي اندمجت في مساعدة كبار السن أوفي أنشطة اجتماعية أخرى للمساندة من خلالها في تخفيف حمل وطـــأة هذا الفيروس على المهاجرين الذين يعيشون في عزلة، أو في ظروف مادية صعبة. نعم، لقد تحرّك المجتمع المدني بشرائحه كلّها لمدّ يد المساعدة للمحتاجين والمعوزين، هذا بالإضافة إلى وجود أطباء متخصّصين في مجالات طيبة متنوّعة، يحتلّون مراكز مهمّة في الفضاء العلمي والطبي، ويسهرون على إيجاد حلول من شأنها المساعدة في معالجة المرضى.

صدى الجزائر: كيف تصل صورة الجزائر إلى فرنسا في خضم الأزمة الصحية؟ ”

كلّ من يتابع مستجدات الأحداث عبر وسائل الإعلام الجزائرية أو العربية أو حتى الغربية يُلاحظ أنّ الحراك قد أعطى ديناميكية جديدة، ولمّع صورة الجزائر لأنّه واضب على تحرّكه بطريقة حضارية فائقة أدهشت العالم، وزعزعت تلك الصور النمطية التي تقدّم الجزائريين وخاصة الشباب بأنّهم غير مبالين وغير متابعين لما يحدث في العالم، وبالتالي هم أحد أسباب تمركز العصابة وتفشّيها. لقد أظهر الحراك البعد الحضاري الحقيقي للشباب الجزائري الذي فرض نفسه وأصبح مرجعا لشباب العالم الذين يريدون التخلّص من الحكومات الشمولية وبناء دولة ذات مؤسّسات سيادية. ولقد مرّروا للعالم رسالة مفادها أنّهم لن يتوقّفوا على حراكهم المجيد حتى تتحقّق مطالبهم الشرعية، هذا علاوة على أنهم مثلوا ظاهرة متميزة أصبحت محلّ دراسة من قبل علماء الاجتماع والسياسة، لأنّهم لم يغيروا الصور النمطية فحسب بل هم قد زرعوا آمالا جديدة للتغيير في الشوارع العربية الإسلامية، وحتى في بلدان العالم الثالث التي يعاني شعبها من التخلف والحرمان رغم تدفق الخيرات فيها.

صدى الجزائر: ماهي رؤيتك لتعاطي المفكر العربي مع الجائحة؟

” الجائحة ظاهرة جديدة ستترك، دون شك، أثرا كبيرا وسيُكتب حولها الكثير، كما كُتب على الفيروسات السابقة. وبالفعل، فإنّ هناك بعض المقالات والدراسات القليلة التي تطرّقت إلى هذا الفيروس، ولكنها تبقى، في رأيي، حتى الآن غير مكتملة الرؤى وغير ناضجة. لأنّ الكتابة في موضوعات مثل هذه تتطلّب قليلا من التأنّي، لكن الكتابات التي أثارتها ولازالت تثيرها هذه الجائحة تُشير إلى أنّ هناك تغيرات كثيرة ستحدث في العالم وفي الخارطة الجغرافية السياسية، إذ سيكون لها انعكاسات داخلية ودولية. وهي، في أغلبها، تتّفق على أنّ العصر الصيني كقوة اقتصادية وسياسة قد بدأ يفرض نفسه، وبالتالي يفرض صيغا جديدة من التعامل بين البشر. أمّا على المستوى الداخلي، فإنّ الدول الشمولية تعيش آخر أيامها، لأنّ مواطنيها استوعبوا الدرس بشكل جيد، ممّا يؤهلهم إلى فرض نمط جديد من الحياة ورفض الدكتاتوريات والمطالبة بالعيش الكريم وباحترام مطالبهم الشرعية في إقامة مجتمعات ديمقراطية. الحمد لله أنّ العالم العربي الإسلامي لم يعرف انتشار المرض مثلما حدث في أوروبا. وعلى أيّة حال، ورغم التفوّق العلمي في ميادين كثيرة، فإنّ هذا الفيروس قد فضح كثيرا من الأمور وعلى رأسها عدم وجود مستشفيات ومؤسّسات ومخابر علمية تساير الظروف الصحية، وربما هذه فرصة للجزائر وللبلدان العربية كي تضع من ضمن أهدافها العاجلة بناء مشاريع صحية بمقاييس دولية بسرعة للحفاظ على صحة المواطنين. هناك عديد الكتابات والاجتهادات من قبل بعض المثقفين العرب، ولعلّ ما لفت انتباهي هو كتابات الدكتور حسن المصدق في مجال تاريخ انتشار الأوبئة وانعكاساته على الحياة السياسيّة والاقتصادية والصحيّة في العالم، وأيضا على الآثار المترتّبة عليه في تغيير الخارطة السياسيّة.

-صدى الجزائر: ما دلالة وجود معهد العالم العربي بالعاصمة الفرنسية باريس؟

فرض معهد العالم العربي نفسه على الساحة الثقافية الباريسية والأوروبية والعربية. وهو مؤسّسة ذات نفع عام خاضعة للقانون الفرنسي تشرف عليها فرنسا والدول العربية. بدأ كمشروع خلال سبعينيات القرن الماضي، وتمّ افتتاحه سنة1987، لأنّه كان من ضمن المشاريع الثقافية الكبرى المنجزة في عهد الرئيس فرانسوا ميتران، وهدفه التعريف بالثقافة والحضارة العربية لدى الجمهور الفرنسي الواسع بواسطة أنشطة ثقافية مختلفة. وإليك بعض الأرقام لأبيّن لك أهميّته، حيث يفوت عدد زائريه المليون شخص، ويتابعه بطريقة افتراضية أكثر من مليون ونصف مليون شخص، وينظّم أكثر من ثلاثمائة نشاط سنوي، الأمر الذي أهّله لأن يكون مصدرا مهمّا للمعلومات وللمصادر المختلفة التي تُعنى بالعالم العربي. وهو، في اعتقادي، أهمّ إنجاز حقّقته العرب خارج العالم العربي، لا سيما أنّه يطرح قضايا جوهرية فيما يخصّ المجتمعات العربية، كما يقدّم العالم العربي شرائحه كلّها وهمومه الثقافية والسياسية، وذلك عبر أقسام عدّة مثل المكتبة التي تعتبر فريدة من نوعها، كونها تهتمّ بالعالم العربي وحضارته وإبداعاته وفنونه، ويستفيد منها أكثر من سبعين ألف قارئ وباحث سنويا، أو المتحف الذي يقدّم تحفا ومقتنيات ثمينة حول العالم العربي، إضافة إلى المعارض الكبرى التي يجذب بعضها زوارا يجاوز عددهم المائتيْن ألف شخص، أو الأنشطة الثقافية التي تطرح فيها قضايا ثقافية وفكرية وسياسية مهمّة.

-صدى الجزائر بما أنّك تدير كرسي المعهد، هل لك أن تعطينا نظرة حول أنشطته؟”
“يعود تاريخ تأسيس كرسي معهد العالم العربي إلى سنة 1991 وقد استمرّ إلى غاية 1994، إذ تناول مختلف القضايا السياسية والفكرية والثقافية التي واكبت هذه المرحلة. وقد ساهم في إثراء المشهد الثقافي والفكري الذي تأسّس عليه الكرسي وسعى إلى تكريم نخبةٌ من المفكّرين العرب والأجانب أمثال عبد الله العروي، وإبراهيم السّامرائي وأندريه ميكال وجاك بيرك وحسن مهدي وآخرين. استعاد كرسي معهد العالم العربي نشاطاته بعد ذلك منذ شهر ماي من سنة 2017، بقرار من مدير عام المعهد، الدكتور معجب الزهراني، الذي حرص على إعادة تفعيله وذلك ضمن مجموعة مبادرات تهدف إلى تطوير البرامج الثقافية الموجهة إلى العالم العربي، في إطار إبرام شراكة مع مؤسّسة الدراسات الفكرية المعاصرة ببيروت، تحت إدارة المرحوم البروفسور محمد شحرور. اندرجت هذه الأنشطة في عديد المجالات العلمية والفكرية والحوارية مرة كلّ شهريْن، وتمّ استقبال نخبة من الباحثين والأكاديميين الذين يزخر رصيدهم البحثي بمساهمات رائدة في مجال الفكر العربي الإسلامي المعاصر. لقد نظّم الكرسي، ولا يزال، العديد من اللقاءات الفكرية في المعهد وخارجه (فرنسا، بروكسيل، المغرب، تونس، عمّان، بيروت)، حيث أدرج منذ نشاطه الثاني جائزة الكرسي التي من خلالها نظم ندوات تكريمية حول شخصيات فكرية بارزة ساهمت في بناء الأفكار وتطويرها بدراستهم وكتاباتهم وإثراء الحوار وأصبحت علامات بارزة بين ضفتيْ المتوسّط. وفي هذا الإطار تم تكريم مجموعة من الباحثين والمفكرين العرب والفرنسيين في المعهد، أمثال: إدغار موران، والبروفسور رشدي راشد، ومصطفى صفوان، وأندريه ميكيل. إلى ذلك، فقد انتقل الكرسي، وبشراكة مع بعض الجامعات والمؤسسات العلمية العربية ، لتكريم الأستاذ عبد الله العروي بالرباط، والأستاذ هشام جعيط في تونس، والأستاذ فهمي جدعان في عمان، والأستاذ ناصيف نصّار في بيروت. خصص كرسي المعهد سنة 2019 لتكريم المرأة العربية من باحثات وأساتذة وناشطات ثقافيات، ونسب كلّ فعالية باسم مفكرة أو ناشطة عربية عرفت بمساهمتها الفكرية والثقافية الفعّالة في إرساء الحوار وتعميقه بين ضفتي المتوسّط، وقد قام بتكريم العديد من المفكرات والكاتبات نذكر على سبيل المثال عيثة الخياط الكاتبة وهي عالمة اجتماع وعالمة نفس، وحورية سيناصر المختصة في فلسفة الرياضيات، والسيدة سهى شومان رئيسة مؤسّسة دار الفنون في عمان التي تقوم بعمل جبار والباحثة القديرة جوسلين دخلية المتخصصة في الأنثروبولوجيا وفي تاريخ المتوسط، وغيرهن من مفكرات وكاتبات. وسيكرّس الكرسي السنوات الثلاث المقبلة إلى الخطاب العلمي الذي أصبح مادة للبحث والتدريس في ميادين علمية مختلفة، ذلك لأنه يتشكّل من آليات معجمه المصطلحي المتخصص والذي يميزه عن باقي الخطابات الأخرى. وممّا لا شك فيه أنّ معظم هذه التخصّصات كالفيزياء، والهندسة، والكيمياء، والطب…الخ تعرف بامتلاكها لغة علمية، غير أنها تختلف فيما بينها بالنظر إلى حدود كل منها. يهدف الاهتمام بالخطاب العلمي إلى التركيز على السمات المميّزة للخطاب العلمي والمنجزات التي تحدّد اهتمام الشباب العربي والإسلامي اليوم في مجالات معينة وعلى رأسها التقنيات الحديثة التي برع فيها الكثير منهم لأنها أتيحت لهم الفرصة في تتبّع دراساتهم وبلورة أفكارهم وإنجازاتهم وابتكاراتهم العلمية وحصولهم على براءات واختراعات أهّلتهم لتقلّد مناصب علمية في أهمّ المخابر العلمية العربية والغربية. تدعم جائزة الكرسي البحث العلمي الأصيل وتهدف إلى تكريم الباحثين الشباب تقديراً لجهودهم البحثية والعلمية في تقديم إضافة علمية أو تقنية متميزة في إطار بحث علمي سمح للشاب بالحصول على جائزة علمية أضافت جديدا للمجال الذي يعمل فيه. وفي هذا الإطار، ينوي كرسي معهد العالم العربي تخصيص جائزة لتشجيع الشباب العربي الباحث في مجال الخطاب العلمي، حيث تنظم تكريمات لهم، تكون مسبوقة بندوة حول المجال العلمي الذي شكّل أبحاثهم وسمح لهم في النجاح أو التميز في براءة علمية معينة. إن القصد من وراء هذه اللقاءات والتكريمات والندوات هو محاولة تشجيع الخطاب العلمي وترسيخه وتسهيل وصوله إلى أكبر شريحة اجتماعية ممكنة، وذلك كبديل للخطاب الديني المغيّب للعقل والمنتشر بطريقة محيّرة، رغم أنّ الكثير من الشباب في العالم العربي الإسلامي قد عرفوا نجاحات لافتة للانتباه في أهم الجامعات ومراكز البحث في الغرب، مثل فرنسا، وأمريكا واليابان، وانجلترا وغيرها من الدول الغربية.
– صدى الجزائر: هل يمكن القول إن المعهد يُعدُ منبراً حقيقيا للحوار والنقاش بين العالم العربي والأوروبي؟

” نعم إنه فضاء للحوار ولتبادل الأفكار واللقاءات والنقاش الحر، وذلك عبر البرمجة المتنوعة للعديد من المواضيع التي لا يمكن أبدا أن نتخيل مناقشتها في العالم العربي الإسلامي، على عكس باريس التي تسمح بمثل هذه النقاشات. وقد أثبتت هذه الأنشطة بأنّ للعالم العربي أشياء مهمة يفتخر بها ومواضيع كثيرة يجب مناقشتها. وهذا ما يبرّر مواصلة المعهد أعماله منذ أكثر من 33 سنة من الأنشطة المتواصلة، لأنّه يسعى إلى تطوير دراسة العالم العربي في فرنسا وتعميق فهم ثقافته وحضارته ولغته، وفهم جهوده الرامية إلى التطوّر. هذا علاوة على تشجيع التبادل الثقافي وتنشيط التواصل والتعاون بين فرنسا والعالم العربي، لا سيما في ميادين العلم والتقنيات. كما يسعى إلى الإسهام على هذا النحو في إنجاح العلاقات بين وفرنسا والعالم العربي عبر المساهمة في تعزيز العلاقات بين العرب وأوروبا. لذا، يتفق المهتمين بالثقافة العربية أغلبهم بأنّ هذا المعهد قد فرض نفسه وأصبح مرجعا أساسيا حول العالم العربي، وليس من السهل أن تفرض ثقافة على الساحة الثقافية الفرنسية لو لم تكن متجذرة وعميقة في التراث الفكري الإنساني ولها موروث علمي وفكري يؤهلها لذلك.

– صدى الجزائر: ما الإضافة التي قدمها ويقدمها المعهد في التسويق الثقافة العربية؟
” أعطيك بعض الأمثلة الملموسة التي تؤكد بعض هذه الإضافات، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي كان عدد عناوين الكتب التي تصدر حول العالم العربي لا يتعدّى المائة، أمّا اليوم، فقد تم تجاوز هذا العدد باثني عشر مرة، أي عدد العناوين التي تصدر حول العالم العربي تجاوز ألف ومائتين عنوان، وهو رقم مهم لا تحققه الكثير من الدول العربية مجتمعة. أصبح المعهد مصدرا للتعريف بالثقافة العربية، كون أن زواره يقبلون عليه من القارات الخمس، كما يلعب دورا مهما في الحوار بين الثقافات ويجلب ما بين رواده الشباب من أصول عربية والتعريف بإنجازاتهم وإبداعاتهم الأدبية والفنية والعلمية، وفي الحقيقة أثناء حديثنا قدمت لك مجموعة من الإضافات التي أكدها وجود هذا المعلم الثقافي المتميز والذي أصبح محل اهتمام لكل المثقفين العرب الذين يعيشون في العالم العربي أو المهاجر، وهذه أيضا إضافة نوعية.

– صدى الجزائر: هل ترى أن هناك انفتاح أوروبي حقيقي اتجاه الثقافة العربية؟
“من خلال تجربتي المتواضعة في المعهد، يُمكنني القول إنّ العيب ليس في الثقافة العربية، بل في المسؤولين والقائمين بشؤونها، لأنّهم هم العائق الأساسي في عدم نشر الثقافة والاعتناء بها وإيصالها إلى الآخر، الأمر الذي ترك تلك الصور النمطية تتشكّل وتترسّخ في مخيلة الأوروبي، لحسن الحظ أنه هناك مؤسسات كمعهد العالم العربي، أو مجموعة من المؤسسات الثقافية الأخرى التي بحضورها في الفضاء لأوروبي سعت إلى التأسيس لفعل ثقافي حقيقي أصبح يجذب الكثير من المثقفين والفنانين الغربيين الذين اكتشفوا معالم الثقافة العربية. ولقد كانوا في غاية السعادة ويدافعون عنها بمعطيات موضوعية، لأنّ أهمّ شيء هو الاقتراب من أيّة ثقافة ومحاولة فهمها، وعلى النقيض، فإنّ البعد عنها وعدم الاهتمام بها هو الذي يقوّي النظرات العدائية والمغلوطة لأي ثقافة أو شعب. إلى ذلك، فإنّه ينبغي أن نأخذ في الحسبان بأنّ هناك ديناميكية خلقها أبناء المهاجرين الذين تبوؤوا أماكن مهمّة في البحث العلمي الأوروبي، وقاموا، ولا يزالون، بعمل جد مهم، ولكن لسوء الحظ فإنّ المؤسسات التي تتّدعي بأنّها ثقافية في العالم العربي لا تعطي أيّ أهميّة لهذا الموضوع.

صدى الجزائر: أكيد المعهد يسجل اقبالا خاصة على المكتبة سؤالي هل الاقبال عربيا فقط؟
” المكتبة هي الفضاء الثالث في المعهد الأكثر إقبالا، إذ يأتي في المرتبة الأولى المعارض الكبرى والمتوسطة، ثم المتحف، وبعدها مكتبة المعهد التي فرضت نفسها وتموقعت رويداً رويداً بين المكتبات الباريسية، بحكم اختصاصها وموسوعيتها حول العالم العربي. وبحسب سبر الآراء، فإنّ أكثر من 60 في المائة من روّاجها هم باحثون يُعدّون دراساتهم العليا في باريس وفي أوروبا أو في العالم العربي وهناك من يأتي من آسيا وأمريكا أيضاً، كما يتردّد الصحفيون على المكتبة في المرتبة الثانية لاستقاء معلوماتهم ومتابعة الحدث من خلال ما توفّره لهم المكتبة من مجلات وجرائد وكتب. وهناك أيضا فئة أخرى من السواح، وعدد آخر كبير من الفضوليين الذين يأتون لزيارة المعهد لاكتشاف المكتبة وما تزخر به من مراجع. والواقع أنه يلتقي في المكتبة كما نرى الباحثين وتلاميذ المدارس والثانويات والطلبة والصحفيين وأصحاب المهن الحرة، بخلاف السواح الذين كانوا يأتون، كما قلنا، بهدف الاطلاع على وثائق وكتب تخصّ بلداناً عربية قد زاروها أو يرغبون في زيارتها، هذا دون أن ننسى الفنانين الذين يأتون للبحث عن صور للوحات زيتية من خلال الكتب المتوفرة في المكتبة، بالإضافة إلى آخرين يدفعهم حب المعرفة والاطلاع فيأتون لزيارة المعهد بغرض البحث عن الجديد بين دفات الكتب. علاوة على ذلك كله، تجد من الزوار من تدفعه الأحداث التي يعيشها العالم العربي والإسلامي، كما المواضيع المطروحة في الساحة الفرنسية حوله، إلى المجيء للبحث عن ضالته وإرضاء نهمه. وقد جعلت هذه العوامل متفرقة أو مجتمعة من المعهد فضاءً للبحث والمطالعة واللقاء، والحال أن المكتبة تعمل على إيصال رسالة المعهد بواسطة رصيدها المتنوع: كتب، مجلات، جرائد.. كتب مرقمنة. الذي جعلها تلبّي دون شك رغبات العديد من روّادها. وهو رصيد ثري وبلغات مختلفة: حيث تمثل اللغة العربية نصف رصيد المكتبة ويتوزع الباقي بين اللغات التالية: الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، والإيطالية…

– صدى الجزائر: ما دور المكتبة خاصة في مجال الثقافة العربية؟
” لا شكّ في أنّ مكتبة المعهد تلعب دوراً اجتماعياً وثقافياً مهماً، إذ يلتقي فيها الباحث المتخصص مع الجمهور الواسع من مختلف الجنسيات والثقافات والآفاق والشرائح الاجتماعية. ذلك أنها تخصص فضاء يرصد متابعة الأحداث عبر الصحف والجرائد التي تسمح بالاطلاع على الحدث باللغتيْن الفرنسية والعربية، وهذا مما يميز المكتبة دون غيرها، ممّا يشجّع على اللقاء المستمر ويوفر مصدراً مهماً للأخبار. ويبلغ رصيد المكتبة أكثر من ثمانين ألف كتاب، يُضاف إليه قسم الدوريات الذي يحتوي على ألف وخمسمائة مجلّة، منها أكثر من مائتي عنوان مجلة حية، تمثل مختلف الإنتاج الفكري والثقافي العربي أو حول العالم العربي.
– صدى الجزائر: ما هي الشخصيات العلمية والفكرية الجزائرية التي تراها لم تأخذ حقها ودورها كاملا وترد التعريف بها؟
” الحقّ إنّه هناك الكثير من الشخصيات التي لعبت أدوارا مهمّة في حياتنا الفكرية وأثرت حتى الفكر الأوروبي، ولكنها للأسف ظلّت مغيّبة ومهمشة، وأذكر منها: المؤرخ والمناضل الكبير محمد حربي أطال الله في عمره، والمرحوم علي مراد ابن الأغواط الذي دافع عن الثقافة الجزائرية والعربية، وكنت قد ذكرت أعلاه الباحث المتميّز محند تأزرت الذي بفضله اكتشف الأوروبيون والعرب، بل والعالم كلّه، كتاب المفكر الألماني أوزفالد شبينغلر إلى الفرنسية وكتاب كارل بروكلمان لأنه ترجم أهم أعمالهم من الألمانية إلى العربية، أذكر أيضا نضال قسوم الفيزيائي الكبير الذي يدرّس في الإمارات العربية بعد أن اشتغل في مؤسسة النازا الأمريكية، وأيضا الدكتور العربي بن زرقة أحد الخبراء الجزائريين في الزلزلة، والكثير الكثير من الباحثين في أوروبا وكندا الذين ساهموا، ولا زالوا، في نشر البحث العلمي على مستوى عالمي، هذا علاوة على الكثير من الخبراء في ميادين علمية وتقنية مختلفة، وأمل الكثير منهم العودة إلى بلادهم للمساهمة في تطوير مخابرها العلمية داخل الجزائر.
– صدى الجزائر: هل الثقافة العربية خاصة الجزائرية تلقى رواجا عند الأوروبيين
«نعم وذلك يعود إلى الأشخاص المعينين من قبل دولهم، إذ يمكنهم فعل الكثير إن كانت لهم علاقة بالثقافة وعندهم هاجس الإبداع والعمل، لأنّ الأوروبيين كثيرا ما كانوا يقبلون على كلّ عمل يثير اهتمامهم ويزيد في معلوماتهم ويجيب عن أسئلتهم ويلبّي فضولهم.
-صدى الجزائر: هل أصبحت الجزائر محتوما عليها الذهاب بسرعة الى الاستثمار في الصناعة الثقافية والسينمائية؟

” هذا سؤال مهمّ جدا، أود أن أركّز هنا على الدور الحضاري والثقافي والفكري والعلمي للجزائر، لكن حتى الآن ولسوء الحظ، لم نعط هذا الجانب الاستراتيجي حقه من التفكير والتأمل، لا سيما أنّنا نملك ما يؤهلنا وبسرعة للعمل على بلورة سياسة ثقافية واضحة المعالم، والهندسة الثقافية تعتمد بالأساس على تعزيزه وجعله في متناول كلّ من يريد الاطلاع على ماضي البلاد وحاضرها، وهذا سرّ إيطاليا أو فرنسا أو بعض البلدان التي جعلت من تراثها منبعا أساسيا للتعريف بماضيها وبتأسيس ثقافة سياحية. فعلى سبيل المثال يأتي دخل فرنسا الأساسي من السياحة الثقافية. وفي الجزائر أيضا ثمّة ما نبرزه للعالم شرط تثمينه وتعيين من يفهموا في هذا الموضوع الاستراتيجي لبلورة رؤى جديدة، ضمن مطالب الحراك الذي طرحها وبقوة في مختلف مظاهراته.

-صدى الجزائر: ما دور المنوط بالملحقة الثقافية عبر سفاراتنا؟

” قلت لك أنّ المسؤول يستطيع تقديم جوانب رائعة لأن همه هو خدمة الثقافة، وهنا أريد أن أحيي الدكتور إبراهيم حاصي الذي عيّن على رأس المركز الثقافي الجزائري وأعطاه دفعة قوية، رغم كلّ الصعوبات والعراقيل البيروقراطية، إذ استطاع أن يجعل من هذا المركز فضاء لقاء حقيقي حول الثقافة الجزائرية، بل وفتح المركز لبعض الأنشطة الثقافية العربية أمام بعض المبدعات والمبدعات وخلق شراكات مع المخابر والجامعات والمؤسّسات العلمية. لقد كان لهذا الرجل نظرة استراتيجية فريدة سعت إلى جعل هذا المركز مؤسّسة ثقافية بامتياز، وقد أعاد للغة العربية مكانتها، كما فتح الباب أمام فنانين ورسامين ومناضلين وشهود حول ثورة التحرير الجزائرية، ونظم لقاءات وندوات حول شخصيات جزائرية وعربية لعبت دورا مهما في الحوار بين الضفتيْن.
وفي الواقع نحن بحاجة إلى مسؤولين في مستوى الدكتور سي إبراهيم خلقا وثقافة وذكاء، فهو يتحدّث عشر لغات بطلاقة، وهو أيضا رسّام، وكاتب، وباحث، وموسيقي وطيار، وشاعر رائع، وكل هذا متوّج عنده بمواكبته للإصدارات الحديثة، وفتحه باب مكتبه أمام المثقفين والمثقفات أغلبهم. إنّه مثقف استثنائي آمل أن ينتبه إليه المسؤولون، فهم باستطاعتهم الاعتماد عليه كوزير في مناصب عدّة، أو تنصيبه على مركز بحث في مجال الدبلوماسية، أو على رأس مخبر دولي، أو سفير في دولة أوروبية أو عربية كبيرة. إنّه نموذج حقيقي للمسؤول الذي تعتمد عليه الجزائر في مثل هذه الظروف الاستثنائية.
– صدى الجزائر: ما هو تصورك للمطالبة بمرافقة حضورنا الديبلوماسي ثقافيا وسينمائيا في العالم وخاصة أوروبا؟
” ينبغي تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب نظرية وممارسة، خادم الثقافة يجب أن يكون مبدعا في مجاله، لا مجرّد موظف يستقبل ويتابع ما يكتب في الجرائد والمجلات، أو يكتب التقارير. وهنا أعود لأتحدّث عن الدكتور إبراهيم حاصي الذي أعتبره نموذجا فعليا للتعريف بالموروث الثقافي وتعزيز ثقافة الحوار وتثمين العمل السينمائي والفني والإبداعي حيث يكون موجودا، وبشكل خاص في أوروبا التي تمنح الثقافة مكانتها التي تليق بها.
-صدى الجزائر: لماذا الانتاج الثقافي ضعيف في العالم العربي وخاصة الجزائر؟ أم سوء ترويج من طرف الاعلام الثقافي هو السبب؟
« الإنتاج الثقافي موجود وغير مثمّن، أما حالة الضعف الذي تعرفه الثقافة العربية فذلك عائد إلى عدم إعطائها الإمكانيات البشرية والمادية لترقيتها، كل التقارير سواء الأجنبية أو العربية تؤكد أن آخر شيء يتمّ الاهتمام به هو الثقافة، ولتعزيز هذا فإن العالم العربي يقرأ أقل من نصف صفحة في السنة، بينما يقرأ الإيطالي على سبيل المثال ثلاثة عشر كتابا، ويترجم من وإلى اللغة العربية أقل من واحد في المائة بينما يترجم الإيطالي 11 في المائة من هذه الكُتب. أمّا التعامل مع التقنيات الحديثة فحدّث ولا حرج. وثمّة العديد من التقارير التي تؤكد، للأسف، استمرار هذا الوضع منذ أكثر من عشرين سنة، ولا حياة لمن تنادي، هنا وفي هذه المقارنات البسيطة نبين أسباب التخلف الثقافي في العالم العربي. وفي هذا الشأن أحيي العمل الذي قامت به مؤسّسة الفكر العربي ببيروت التابعة لأمير راق يحب الثقافة. فقد قدّمت هذه المؤسسة سنة 2013 عملا رائعا للنهوض بالثقافة العربية ولا زلت أذكر عندما شاركت في ورشة حول الرقمنة في العالم العربي كيف استدعت هذه المؤسسة مجموعة من المثقفين والخبراء في ميادين مختلفة، استطعنا معهم أن نقدّم رؤيا مستقبلية لتجاوز العقم الثقافي العربي (التقرير ما يزال موجودا ويمكن العودة إليه) وكنا قد اتفقنا على نقله إلى جامعة الدول العربية لتحوّله إلى مسؤولي الثقافة كلّهم، ولكن لا حياة لمن تنادي.
– صدى الجزائر: هل بإمكاننا بناء مؤسسات ثقافية متينة لحماية الهوية الوطنية؟ وكيف ذلك؟
” بتعيين مسؤولات ومسؤولين على رأسها ومنحهم الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة لتشييد مؤسسات ثقافية في مستوى التطورات التي يمر بها العالم، عندما أقول مسؤولين، فإنّي أقصد بذلك أولئك الذين يملكون استراتيجيّات مبنية على إرادة قوية، وعلى بعد ثقافي يجمع بين الوعي بالمكاسب الثقافية وبين التطلّعات المستقبلية، أي إنسان مهما كانت ثقافته لا يتحقّق فيه هذا البعد لا يصح أن يكون مسؤولا مبدعا.

– صدى الجزائر: تتابع المبادرة الثقافية التي أطلقها بعض الكتاب والمثقفين سؤالي هل تعتبره بداية لحراك الثقافي؟
” كما قلت لك سابقا، لقد بلور الحراك المجيد مطالب ورؤى جدّ حضارية ومتقدّمة، وعلينا أن نكون في مستواها، لأنّ المثقف الحقيقي الحراكي، إن صحّ التعبير، يعرف مكامن الضعف. وينبغي بلورة مشروع جديد يكون في مستواه وفي مستوى المبدع الجزائري الذي فاقت شهرته الآفاق رغم “البريكولاج” الذي يعتمده بعض من هم يدّعون بأنهم مسؤولين على بعض القطاعات الثقافية، حيث تم تهجين الفعل الثقافي.

– صدى الجزائر: ما تقييمك لوزارة الثقافة لحد الان؟

” بالنسبة إلى وزارة الثقافة، أو أي وزارة أخرى في البلاد، يجب أن يكون للمسؤولين عليها نظرة أو رؤية استراتيجية معتمدة على معطيات ملموسة، مراجعة الإطار العامل فيها الذي تعوّد على ممارسات أحبطت الثقافة والمثقفين، وتعيين حاشية تؤمن بالفعل الثقافي البديل، هذا علاوة على مراجعة حقيقية للممارسات السابقة ووضع حد نهائي لها. ينبغي للمسؤولين على هذا القطاع أن يعملوا على بلورة سياسة ثقافية مبنيّة على معطيات ودراسات من خبراء في مجالات مختلفة، أي الاعتماد على هؤلاء الخبراء في صقل رؤية جديدة تواكب مطالب الحراك وتجعل حدا للممارسات العشوائية التي أدت بهذا القطاع إلى خراب حقيقي. ويُمكنني أن أعطيك مثلا ملموسا، فيما يخصّ قطاع المكتبات في الجزائر فرغم وجود شباب مهنيين ويعرفون ما يجب عمله، إلاّ أنه آخر قطاع يهتم به، وأزيدك من الشعر بيتا كما تقول العرب، وهو غياب المكتبة الوطنية من الفضاء الأزرق. وهذا مثلٌ ملموس يبيّن عدم العناية بأهمّ فضاء في الجزائر، ولسوء الحظ أنّه لم يعيّن على رأسها شخص في مستوى المرحوم بوعياد صاحب الخبرة المهنية والمثقّف الكبير. نحن في عالمنا العربي نسيّس كلّ شيء. وأرغب في هذا المجال أن أعيد الاعتبار إلى وزيرة ثقافة رائعة لكنّهم عزلوها بعد عدّة أشهر من تعيينها لأنّها أرادت أن تقوم بعمل علمي وتقني مؤسّس على تقارير لخبراء في مجالات متنوّعة تكون رؤاهم بمثابة خطة طريق للخروج من النفق الذي تعاني منه الثقافة، وقد اتصلت بمجموعة من الفاعلين الثقافين داخل البلاد وخارجها، ولكن وضع خطتها قيد الإنجاز لم يكن يناسب السياسيين والمنتفعين والانتهازيين في ذلك الوقت، ولهذا اختلقوا لها حججا واهية كانت سببا رئيسا في عزلها. وبكلّ تواضع، كنت قد قدّمت (كجزائري غيور على ثقافته ووطنه) برنامجًا لصديقة لي حول تطوير قطاع المكتبات والنشر والقراءة في الجزائر، قالت لي أنّها سلّمتها لمسؤول كبير في الوزارة ولم يصلني أي ردّ أو تعليق، وهم يعرفون أنّني لا أطمح لأيّ منصب، وكنت أرغب في تقديم خدمة لا أريد منها جزاءً ولا شكورا. وأعرف الكثير من الأصدقاء والصديقات الذين يحدوهم الأمل في وضع تجاربهم من أجل خدمة القطاعات المختصّين فيها، وهنا أذكر الدكتور العربي بن زرقة، وهو خبير كبير في الزلازل ومعتمد دوليّا، الذي أراد أن يقدّم خبرته في مدينة المدينة الجديدة في المديّة التي تم بناؤها بطريقةٍ سريعةٍ، وهو يجزم بأنّها بنيت في منطقة تزحلق ترابي، وقد كان ولا يزال يملك حلاّ لإنقاذ هذه البنايات ولكن لا أحد اتّصل به، رغم أنّه قابل الكثير من المسؤولين ولم يطلب أيّ مقابل مادّي لقاء خبرته. لقد أراد، ولا زال، أن يضع خبرته في خدمة البلد، وهناك الكثير الكثير من الخبراء ومهندسي الثقافة ممن يريدون السير على خطى الدكتور العربي بن زرقة، ولكن يبدو أن توجهاتهم العلمية والتقنية وغيرتهم على الوطن لم تناسب المتسلقين والانتهازيين الذين أدوا بالبلد إلى النفق الذي تمر به.

– صدى الجزائر وما الذي يجب ان تفعله لإعطاء دفعة قوية للإنتاج الثقافي واحتواء المبدع والمبدعين؟
” تُمنح المسؤوليات إلى أهلها، ويُبعد كلّ من كان سببا في تأخر البلد، لكي يعطوها شحنة قوية تكون في مستوى الحراك المجيد. كفانا “بريكولاج” ومحسوبية، وانتهازية، علينا الاستفادة من خبرائنا سواء الموجودين في الوطن، المهمشين عن قصد، أو أولئك الموجودين في الخارج والذين يسيّرون مخابر دولية معتبرة وقد أثبتوا جدارتهم في غير مناسبة، شرط أن نهيئ لهم الأجواء اللاّزمة لمواصلة إنجازاتهم التقنية والعلمية. وسوف ترى بعد عدة أشهر كيف ستعود الجزائر إلى مكانها الطبيعي الطلائعي، لأنّها تمتلك خيرات تسمح لها بإعادة النظر في كلّ شيء وغربلة كلّ ما هو موجود. ولقد أثبت الحراك تطلعاته المشروعة وعبّر عنها بشكل حضاري أدهش العالم.
– صدى الجزائر هل لك أن تحدثنا على مساهمتك في إنجاز اول مكتبة بلدية في غزة وعلى جائزة وسام الثقافة التي توجت بها مؤخرا في طنجة؟
” تم إنجاز هذا المشروع في إطار توأمة بين مدينة عزة الفلسطينية ومدينة دانكرك الفرنسية، وذلك بعد توقيع اتفاقيات أوسلو، وبعد زيارة رئيس بلدية غزة، المرحوم السيد عون الشوا إلى مدينة دانكيرك الفرنسية، طلب من السيد ميشال دالبار رئيس بلدية دانكارك ورئيس مقاطعة الشمال الفرنسي والوزير السابق في عهد فرانسوا متران أن يكون أوّل مشاريعهما المشتركة بناء أول مكتبة عامة، بقطاع غزة بالمقاييس الدولية للمكتبات، إذ تم اختيار ثمانية شبان من بينهم فتاتان للاطلاع على كيفية العمل في مكتبة مدينة دانكارك. وقد اتّصلت بنا مديرة المكتبة السيدة دانيال شوماي لتنسيق التعاون مع مجموعة من المؤسّسات التي تعمل في حقل علم المكتبات، ومن ضمنها مكتبة معهد العالم العربي. وقد أولى رئيس معهد العالم العربي الراحل كاميل كابانا آنذاك أهمية خاصة لهذا المشروع.‏
استقبلنا المتدربين على مراحل ثلاثة، وفي نهاية الفترة التدريبية قمنا بتقييم لمعارفهم في تقنيات المكتبة بناء على طلب من بلدية دانكارك شمال فرنسا. وقد تم خلال هذا التدريب تحديد نوع المكتبة واستراتيجيتها، كما تم تدريس سياسة الشراء، ووُزّعت المهام على المتدربين لكي يشرعوا في ممارسة عملهم بعد عودتهم إلى وطنهم. إلى ذلك، فقد طُلب مني أن أصاحب عمل الفريق حتى افتتاح المكتبة، وهكذا وجدت نفسي مُساهما في مشروع بناء أول مكتبة عامة في غزة، بل في مجموع قطاع غزة.‏ قمت بتدريب أطر المكتبة على الجانب التقني من حيث فهرسة المكتبة وتصنيفها وتنظيمها. وقد سافرت خمس مرات إلى هناك، وكنت في كلّ مرّة أعود متفائلاً بتقدم العمل. وأحياناً كنت قلقا على فشل المشروع، نظراً إلى غياب مدير لهذه المكتبة يقوم بتسيير أمورها عن قرب. كنت أعمل بجانب أطر المكتبة إما بحضوري في غزة، وإمّا عن طريق الفاكس والهاتف. ولقد استمر عملي إلى يوم الافتتاح الرسمي في 1/7/99. ولا زلت، إلى الآن، أتذكّر تلك المناسبة الرائعة التي حضرها إلى جانبي رئيسا بلدية غزة ودانكارك وزير الثقافة الفلسطيني “ياسر عبد ربه” والسيد “ياور” وكان أحد كبار المسؤولين في منظمة اليونسكو إضافة إلى السيدة “ليلى شهيد” التي كانت سفيرة الممثلية الفلسطينية في باريس، ومسؤولون آخرون من مختلف المؤسسات والشرائح الاجتماعية الفلسطينية والعربية ليس من السهل أبداً أن نساهم في مشروع كهذا وأن نحترم التواريخ والالتزامات، لأن الأراضي الفلسطينية، وبالذات قطاع غزة، تُعاني حصاراً كبيراً، بحيث أن كميات كبيرة من الكتب بقيت محجوزة على الحدود، وسجينة الإدارة الإسرائيليّة. هناك، كان كلّ شيء محاصرا ومراقبا. ومن المعلوم أنّ غزة تشهد ضغطاً أكثر من المدن الأخرى، لذلك لم يكن من السهل تحقيق مشروع كمكتبة غزة، لو لم تتضافر الجهود، وبفضل بلدية غزة وبعض المؤسسات الفلسطينية والعربية والأوروبية. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ المغرب قام بإهداء رصيد من الكتب يبلغ أربعة آلاف كتاب.‏ تقدّم مكتبة غزة العامة والموسوعية للمستفيد أغلب حقول المعرفة، عن طريق الكتاب في المرحلة الأولى، ثم عن طريق الصوت والصورة والتقنيات الحديثة كالإنترنت في المرحلة الثانية. ولقد سعينا أوّلا إلى تكوين رصيد من الكتب والمجلاّت والملفّات الصحافية وقسم للأطفال. وبدأ العمل فيما بعد على تنظيم قسم للإعارة، أما العلاقة مع الكتاب فقد كانت حسب الطرائق المعمول بها حديثا، حيث يبحث المستفيد عن المعلومة التي يريد بواسطة فهرس معلوماتي مزدوج اللغة، وبعدها يتيّسر للمستفيد البحث عن وثيقته بمفرده. وهو ما يسمّى بالاتصال مباشرة بالكتاب دون وسيط. يوجّه أمين المكتبة المستفيد إلى مكان وجود الكتاب أو الوثيقة، كما يوسع أمامه إمكانيات البحث أو يقدم له معلومات عن كيفية البحث في الحاسوب ليتمكّن من الوصول إلى هدفه بشكل منهجي وسريع.‏ إن مكتبة غزة هي الأولى من نوعها ليس في قطاع غزة فحسب، بل في بقية المدن الفلسطينية الأخرى وهي بالتالي تعتبر النواة الأولى.‏
” أما سؤالك الثاني حول الجائزة التي منحت لي أواخر شهر فيفري في مدينة طنجة باسم جائزة وسام الثقافة، فإنّني، والحقّ يُقال، سعدت باختياري أحد الفاعلين الثقافيين في أوروبا والعالم العربي، وأنني ساهمت في إنجاز مجموعة من المشاريع في عدة مكتبات في العالم العربي. لقد كنت ولا زلت همزة وصل بين المثقفين العرب بعضهم ببعض، وبينهم وبين المثقفين الأوروبيين، إضافة إلى ما نقوم به في كرسي معهد العالم العربي من مساعدة متنوّعة للباحثين.
لقد رشّحني هذا العمل لنيل جائزة الشخصية الثقافية لعام 2020 من مؤسّستيْن مهمّتيْن، هما: المعهد الأوروبي للدراسات الابستمولوجية، وجامعة عبد الملك السعدي، ومدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة. لقد سعدت،
بطبيعة الحال، سررت كثيرا بهذا التشريف والاعتراف، خاصة وقد تزامن هذا التكريم مع منح جائزة ابن رشد للترجمة للمفكّر المغربي المعروف الصديق عبد العالي جمال العمراني. وهو قامة ثقافية وفكرية مشهورة دوليا.
– صدى الجزائر: في الاخير ماهي مشاريعك المستقبلية ضمن المعهد وخارجه؟
” كما قلت لك أعلاه أود أن أنشر بعض كتاباتي وأسهم في حركة التطور الذي ينادي بها الحراك وذلك ضمن مجالي المعرفي ولا أنتظر في ذلك أيّ مقابل. أمّا كرسي المعهد فقد أنجزنا عبره سلسلة كتب تحت اسم مائة كتاب وكتاب. وقد أتممنا أكثر من ستين في المائة من هذه الكُتب. وهي سلسلة تُعنى بالكتابة حول أهمّ الشخصيات الثقافية والفكرية العربية والفرنسية التي ساهمت في تقريب الضّفتين: العالم العربي وفرنسا. ولقد أسعدني كثيرا مساهمة مجموعة من الباحثات والباحثين الجزائريين، حيث تم تكليفها بإنجاز مجموعة من الكتب، وقد استجابوا لهذا التكليف في وقته. لقد أنجزنا هذا المشروع بالشراكة مع جائزة الملك فيصل في الرياض، حيث تكلفوا هم من جانبهم بإيجاد كتاب يكتبون حول الشخصيات الفرنسية باللغة العربية، وتكفّلنا نحن بالكتابة باللغة الفرنسية على ستيّن شخصية عربية من بينها عشر شخصيات جزائرية. لقد وجدت هذه السلسلة صدى كبيرا عند الباحثين؛ وهو ما دفعنا إلى التفكير في ترجمة ما تمت كتابته بالعربية إلى اللغة الفرنسية والعكس، كما أنّنا على وشك توقيع اتّفاقية حول سلسلة أخرى مع المعهد الأوروبي للدراسات الابستمولوجية. إلى ذلك، فنحن الآن نعمل على شراكة من أجل إنجاز جائزة علمية معتبرة تحمل اسم عمر الخيام.

هذا السوال : كلمة تود قولها في نهاية هذا الحوار ونحن في ظل. اليوم العالمي لحرية الصحافة ؟

ثبيت هذا اليوم من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة شهر ديسمبر 1993، وذلك بناء على توصية من المؤتمر العام لليونسكو. إذ يتم الاحتفال بهذا اليوم في جميع أنحاء العالم في 3 مايو باعتباره اليوم العالمي لحرية الصحافة. وهذا اليوم يعني تذكير للحكومات بضرورة احترام التزامها بحرية الصحافة، ويعني: الاحتفال بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة وتقييم حالة حرية الصحافة في جميع أنحاء العالم والدفاع عن وسائل الإعلام من الاعتداءات على استقلالها كما يتم رد الاعتبار إلى الصحفيين الذين فقدوا أرواحهم في أداء واجباتهم. خصة أولئك الذين يعيشون تحت السلطات الشمولية التي لا تريد للصحفي أن يخرج عن دائرة “أعلامها” هذا دون أن ننسى ما يعانيه الشعب الفلسطيني من إقصاء وتهميش في هذا المجال، إذ أرجعت صحافة الاستيطان ومن يدور في فلكها بأن الضحية الفلسطينية هو الجلاد، وكل العالم يعرف بأن الصحفي هناك يعيش ظروفا قاسية، ضف إلى ذلك ما تعانيه الأقليات الإسلامية في آسيا وبعض الدول الأخرى، فنجد الصحفي المشبّع بأخلاقيات المهنة يؤدي واجبه في مقالاته وحواراته وتحقيقاته إلى تعرية وفضح هذه المعاملات الشنيعة، ولكن لا يتم ذلك إلا بوجود حرية تضمن له حياته وتمنحه القيام بعمله. ففي الجزائر يجب ان تتماشى حرية الصحافة مع قيمة الحراك المجيد دون تضيق او تعسف ، والحرية هي مكسب يجب الدفاع عنه، ونقد الحكومات التي تعودت على توجيه الإعلام في خدمة “مصالحها” وهنا مكمن الكارثة، آمل أن يجد الصحفي الفضاء الذي يليق بمهنته، وأن يكون غير مخترق، ويؤدي عمله بجرأة محترما أخلاقيات مهنته المحددة في الوثيقة الصادرة عن جمعية الأمم المتحدة.

حاوره : بلال بوغرارة








اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.